
استيقظ بثقل في جسدي، تبدو مهمة الاستدارة وإطفاء منبّه الهاتف أثقل من تحريك جبل من مكانه. «لا بأس»، أقول لنفسي، «ربما لم آخذ قسطًا كافيًا من النوم». أحاول جاهدَةً رفع جسدي، أمسك بالهاتف لأرى الوقت: «تأخرت مجددًا». عن ماذا؟ لا أعلم. أتناول فطوري وأمرر إصبعي للأعلى بحركة تلقائية وأنا أشاهد المقاطع القصيرة. أضحك وأبكي، بعدها أندهش وأشمئز، ثم أتملل. ترهقني هذه المشاعر؛ لم تُخلق لتُعاش على فترات وجيزة وخلال مدة قصيرة. أترك الهاتف، ثم ما ألبث حتى أملّ وأعود لهاتفي مرة أخرى.
بات الملل يُخيفنا، نمسك بهواتفنا كطوق نجاة لا نستطيع أن نعبر الحياة دونها. تحيط بنا ذكريات مشوَّشة عن كل شيء ولا شيء في آنٍ واحد. هل أذكر هذه اللحظة نفسها أم أذكر رؤيتي لها كمقاطع وصور في هاتفي الذكي؟ الكل مشدوه بهاتفه، يمر الوقت سريعًا حولنا ولا نحسه. يبدو كل يوم كأنه تكرار لما سبقه!
أتساءل: هل كان من قبلنا يشعرون بالملل كتهديد أيضًا؟ أم أن لعنة الإنجاز ومعاداة «العادية» هي من جعل لثنائية الوقت/الملل هذه السطوة علينا؟ في الملل يتمدد الوقت حتى تظن أنه لن ينتهي أبدًا. يتراكم حقيقةً لا مجازًا، كتراكم حبات الرمل في الساعة الرملية. وما تراكم إلا لخلوه من المعنى، أي الملل؛ فهي ثنائية مترابطة.
يقول فيكتور فرانكل إن الفراغ الوجودي يكشف عن نفسه في حالة الملل، وعليه على كل فرد أن يجد لنفسه معنى خاصًا لحياته، يختلف من شخص لآخر، بل قد يختلف عند الشخص نفسه من يوم ليوم ومن ساعة لأخرى. برأيي، ليس أمثل لتحقيق هذا المعنى من الالتزام بالمسؤوليات المناطة بنا، كعبادٍ لله أولًا، ومستخلفين في الأرض ثانيًا، ومن ثم كأفراد تجاه أنفسنا ومجتمعنا. ولعل النضج النفسي هو تقبّل حقيقة الملل، وأنه جِبِلَّةٌ للإنسان لن ينتهي ما دام الإنسان حيًّا، وقد قال ابن عطاء الله السكندري: «لما علم منك وجود الملل لوَّن لك الطاعات».
- فكرة التدوينة من تحدي نبرة: كتابة تدوينة عن الملل لا تتجاوز 250 كلمة.











